السيارة المفخخة وذاكرة الحنين

في حي جناين الورد، شارع الأخطل الصغير ولدت.
لالا أنا لا أفرد جناحي لغتي ولا أستعرض شعري هو كذلك عنواننا في دمشق. جناين الورد شارع الأخطل الصغير.
يحد موقع بيتنا من جهة الشرق قبةٌ فضية متلألئة تتوسد سطحاً من قرميدٍ أحمر تخرج من ورائه الشمس وتسكن نهارها في السماء حتى موعد رواحها إلى الغروب حيث يقع جامع الفردوس. وبين رنين الأجراس وآذان العشاء تكمل العصافر تسابيح الفجر وتراتيل المساء على أغصان أشجار الحي.
الياسمين في دمشق يعيش على أرضه وبين جمهوره، حيُّنا مملكته، وفيه يتمرد على قوانين الديزل والبنزين والغبار والتصحّر، ويفرض قانون عطره. تستوقف خطوكَ العرائشُ لتلتقط أزهارها الرقيقة المشوبة بوردي طفيف، كأنه خجلٌ بكر في خدٍّ نضر، يأسرك العبيرُ فتمتلئ روحك بالبياض.
في حينا تتجاور القلوب مثل العصافير على أسلاك الكهرباء لتضيء المساء بالود والألفة. شركس القبو ومسيحيو الدور الأول والثاني وإسلام الثالث ويهود السطح. كل ما يقتتلون لأجل تحقيقه اليوم عاش في عمارتنا على وقع صخب الأجيال والشجارات الودودة والمجاملات الأصيلة. في أعراسنا يرشوننا بالملح ليردوا عنا العين، وفي مآتمهم كنا نُخرس التلفزيون والراديو ونحزن.
شارعنا يحمل اسم شاعر الحب والهوى، بشارة الخوري (الأخطل الصغير)، وفي ظلال السرو وأشجار النارنج والليمون والأكيدينا وجد العشاقُ الملاذ الآمن لأحاديثهم وملامساتهم الأولى. لم تكن أمهاتنا راضيات. وتوعّدن الفضول فينا، إن لم نغضَّ الطّرَْفَ، بالعقاب. ولم نكن نرتدع. نسترق النظر من الأدوار العليا ويلفح براءتنا رحيق الحب . تغني فيروز لنا من كلمات الشاعر الذي سمي شارعنا باسمه:
قلبٌ تمرّس باللذاتِ وهو فتىًكبرعمٍ لمست الريحُ فانفتحا

في شارعنا الذي يحمل اسم شاعر الصبا والجمال كان الجمال كثيفاً وكثيراً وآمناً. والنظرات مفرودة ناصعة على الشرفات مثل غسيل الجارات تقطر نظافةً وحنانا. تشتهر كل جميلة في الحي وتصبح محبوبة الحي وفارسة الأحلام إلى أن تزف إلى عريسها، فتسلم صبيةً من الجيل الأصغر تاج الجمال وأمانة المعجبين. وفي طريقي من المدرسة الثانوية إلى البيت كنتُ يوماً تلك الفتاة التي تترصدها العيون وتحرسها التنهدات ويهمس باسمها الهواء. ويغني عبد الوهاب من كلمات شاعرنا:
إن عشقنا فعذرنا أن في وجهنا نظر

بناء واحد في حينا يبدو مثل عين عوراء بين الأبنية السكنية العتيقة. بناء اسمنتي يأكل مساحة كبيرة من الحي مثل وحش كسول روضته المدينة. لا أحد يعرف ما الذي يحدث وراء جدرانه العالية المسورة بالحواجز الحديدية. حيث يقف كل بضعة أمتار رجلٌ مسلح لا يبدو أنه يفعل شيئاً سوى الملل من وقوفه الطويل.
بناء لا حاجة له بين البيوت الآمنة وجد فيه قاتل مكانا صالحا ليزرع مقابله سيارة مفخخة، ليتحرشَ بالوحش النائم.
سيارة ممتلئة بالمتفجرات شوهت وجه الحي، كعاشق مسعور رمى وجه حبيبته بماء النار لئلاّ ينظر إليها حبيب آخر ينتظرها على عتبات الحرية.
تطاير زجاج الأبنية فوق أسرة الأطفال فوق تعب الأمهات وخوف الآباء. حطم الواجهات الجميلة للأبنية العجوز التي خط تجاعيدها الشتاء بمطره وصبغ ناصيتها هباب مداخنه. حطم السقف القرميدي الذي تشرق من ورائه الشمس. وأحرق أشجار الرصيف التي كانت تستر العشاق. قطع أسلاك الكهرباء التي كانت تحمل جوقة العصافير. وترك الأهل والجيران مرتابين من بعضهم البعض..

سافرت وعدت عشرات المرات خلال عشرين عاما. في كل مرة كان الزمن يترك بصمات غير حانية على وجه الحي، تتزاحم على جانبي أزقته السيارات المعدنية ويطغى الضجيج اللّجوج على الزقزقة والحفيف وهمس السكون في الحديقة المجاورة. يتناقص سكان العمارة، يقبض الموت أجسادهم ويترك أرواحهم تبتسم لي على الشرفات، يكبر الأولاد ويرحلون ويتركون صراخ لعبهم في مدخل البناء يعد للعشرة إلى أن يختبئ القمر. تنحني ظهور الجارات ويقعدهن المرض ويتركن صدى ضحكاتهن معلقاً على حبال الغسيل. يغتصب التلوث بهجة الياسمين ويبقى التمهل عند عرائشه طقساً لا تتسع له هرولة اليوم وراء لقمة العيش.
في مدرسة الغربة يربو الحنين ويكبر، عشرون عاما بعيدة عن حينا أصفه للأصدقاء على هذه الصورة أنسج تفاصيله في الحديث غرزة غرزة وأعلقه لوحة تدهش السامعين. سافرت إلى ما وراء المحيطات ونزلت أفخم الفنادق وزرت طبيعة خلابة بمساحات شاسعة ومازلت أعرّج بذاكرتي على حينا عندما أريد وصف أجمل بقعةٍ على وجه الأرض.
حينا سيبقى جناين الورد رغم الاجتياح الاسمنتي، وشارعنا سيبقى مطوباً باسم الأخطل الصغير على الرغم من أن البلدية غيرت إسمه، ومايزال ساعي البريد وفياً للعنوان القديم. ستبقى الشمس تحرسه والعصافير تصلي حوله وسيبقى نهارنا رغم السيارة المفخخة الدخيلة القاتلة، آمنا على الغرباء يستقبلهم بجرس الكنيسة ويودعهم بآذان العشاء. والحنين يبني جسراً حنوناً فوق الذاكرة الأليمة وينشد من كلمات شاعرنا:
قم نجع يوما من العمر لهم
هبة صوم الفصح هبة رمضانا
إنما الحق الذي ماتوا له
حقنا، نمشي ليه، أين كانا
ـــــــــــــ
رحم الله شهداء سوريا وشهداء التفجير الآثم الذي طال جزءا من حينا
بتاريخ 17 آذار 2012
الأبيات الواردة في هذا النص للشاعر بشارة الخوري الملقب بالأخطل الصغير.

*الصورة لإطلالة المستشفى الفرنسي في حي القصاع

WhatsApp Image 2020-09-07 at 09.10.00

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s